الشوكاني
474
فتح القدير
في تفسيره . قال : ومما يدل على صحة هذا القول قوله تعالى - أفلا يتدبرون القرآن - والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله - أقم الصلاة لذكرى - والغفلة تضاد الذكر ، ولهذا قال - ولا تكن من الغافلين - وقوله - حتى تعلموا ما تقولون - نهى للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته . واللغو ، قال الزجاج : هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل ، وقد تقدم تفسيره في البقرة . وقال الضحاك : إن اللغو هنا الشرك . وقال الحسن : إنه المعاصي كلها . ومعنى إعراضهم عنه : تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه ، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات ، فيدخل وقت الصلاة في ذلك دخولا أوليا كما تفيده الجملة الاسمية ، وبناء الحكم على الضمير ، ومعنى فعلهم للزكاة تأديتهم لها ، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل ، والمراد بالزكاة هنا المصدر لأنه الصادر عن الفاعل . وقيل يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف : أي ( والذين هم ) لتأدية ( الزكاة فاعلون . والذين هم لفروجهم حافظون ) الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة ، ومعنى حفظهم لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم . قيل والمواد هنا الرجال خاصة دون النساء بدليل قوله ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه . قال الفراء : إن على في قوله ( إلا على أزواجهم ) بمعنى من . وقال الزجاج : المعنى أنهم يلامون في إطلاق ما حظر عليهم فأمروا بحفظه إلا على أزواجهم ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية ، والجملة في محل نصب على الحال ، وقيل إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ : أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم . وقيل المعنى : إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهم ، من قولهم كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان . والمعنى : أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم ، وجملة ( أو ما ملكت أيمانهم ) في محل جر عطفا على أزواجهم ، وما مصدرية ، والمراد بذلك الإماء ، وعبر عنهن بما التي لغير العقلاء ، لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبئة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن كسائر السلع ، فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء ، وجملة ( فإنهم غير ملومين ) تعليل لما تقدم مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه ( فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) الإشارة إلى الزوجات وملك اليمين ، ومعنى العادون : المجاوزون إلى ما لا يحل لهم ، فسمى سبحانه من نكح ما لا يحل عاديا ، ووراء هنا بمعنى سوى وهو مفعول ابتغى . قال الزجاج : أي فمن ابتغى ما بعد ذلك فمفعول الابتغاء محذوف ، ووراء ظرف . وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة ، واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر ، وقد جمعنا في ذلك رسالة سميناها ( بلوغ المنى في حكم الاستمنا ) ، وذكرنا فيها أدلة المنع والجواز وترجيح الراجح منهما ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) قرأ الجمهور " لأماناتهم " بالجمع . وقرأ ابن كثير بالإفراد . والأمانة ما يؤتمنون عليه ، والعهد ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه أو جهة عباده ، وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا ، والأمانة أعم من العهد ، فكل عهد أمانة ، ومعنى راعون : حافظون ( والذين هم على صلواتهم يحافظون ) قرأ الجمهور " صلواتهم " بالجمع . وقرأ حمزة والكسائي " صلاتهم " بالإفراد ، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس وهو في معنى الجمع والمحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها . ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال ( أولئك هم الوارثون ) أي الأحقاء بأن يسموا بهذا الاسم دون غيرهم . ثم بين الموروث بقوله ( الذين يرثون الفردوس ) وهو أوسط الجنة ، كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والمعنى : أن من عمل بما ذكر في هذه